المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم
جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز
كلية التربية
قسم مناهج وطرق تدريس
“فاعلية استراتيجيات التعزيز في تحسين السلوك الاجتماعي لدى الأطفال ذوي متلازمة داون”
إعداد الباحث / أ.عبدالله المقاطي
تحت اشراف /أ.د حمد القميزي
تشكل ظاهرة الإعاقة مشكلة خطيرة في أي مجتمع، حيث تؤثر سلبًا على تنميته، وتعد إحدى مؤشرات ارتقاء الأمم هي مدى اهتمامها بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفير الرعاية الشاملة لهم. ومن هنا بدأ الاهتمام بالأطفال ذوي الإعاقة العقلية، خاصةً في محاولة تمكينهم من الاندماج في المجتمع. تُعد الإعاقة العقلية من أكبر التحديات التي تواجه الدول على اختلاف توجهاتها، حيث تتسبب في إعاقة القدرة على التكيف الاجتماعي والنفسي للأطفال المعاقين، مما يؤدي إلى صعوبات في تفاعلهم مع الآخرين.
أشار المطيري وآخرون (2017) إلى أن تعليم ورعاية الأطفال المعاقين عقليًا أصبح من الواجبات الأساسية للمجتمع وحقًا تكفله مواثيق حقوق الإنسان. ويتطلب ذلك إعداد برامج إرشادية تعليمية تتوافق مع احتياجات الأطفال الخاصة، ويشارك في تنفيذها الوالدان، وبالأخص الأمهات اللواتي يلعبن دورًا حيويًا في رعاية هؤلاء الأطفال. يسهم التدخل الإرشادي في تعزيز التوافق النفسي والاجتماعي للأطفال المعاقين عقليًا، ويقلل من الضغوط النفسية لدى الأمهات، مما يساهم في تحسين قدرتهم على التكيف مع مواقف الحياة المختلفة.
كما أشار Jahromi & Gulsrud (2008)، أظهرت النتائج أن الأطفال ذوي متلازمة داون أبدوا إحباطًا أكبر بشكل ملحوظ وركّزوا أكثر على المشارك في التجربة دون طلب المساعدة. في المقابل، استخدم الأطفال العاديون استراتيجيات أكثر توجيهًا نحو الهدف، مثل طلب المساعدة والتهدئة الذاتية المعرفية. تشير هذه النتائج إلى أن الأطفال ذوي متلازمة داون قد يستخدمون مجموعة محدودة من الاستراتيجيات للتعامل مع الإحباط، مما يسلط الضوء على الحاجة إلى تدخلات مستقبلية لتحسين استراتيجيات التكيف لديهم.
مفهوم استراتيجيات التعزيز
تعرف الصاوي (2020) التعزيز بأنه “عملية تهدف إلى تعزيز السلوك الإيجابي من خلال تقديم مكافآت أو إزالة المثيرات السلبية التي قد تؤدي إلى تكرار السلوك المرغوب فيه” . وينقسم التعزيز إلى قسمين: التعزيز الإيجابي والتعزيز السلبي. التعزيز الإيجابي (Positive Reinforcement) يتضمن زيادة احتمالات تكرار السلوك في المستقبل بتقديم معزز إيجابي للشخص عندما يقوم بذلك السلوك. ومن الأمثلة على المعززات الإيجابية معانقة الأم لطفلتها عندما تظهر سلوكًا حسنًا، وتربيت المعلمة على كتف الطفل الذي ينتظر دوره، والابتسام للشخص الذي يتصرف بطريقة مهذبة، وقول “أحسنت” أو “صحيح” لطفل أجاب بشكل مناسب على سؤال ما. يُعد التعزيز الإيجابي بمثابة الهيكل العظمي في علم تعديل السلوك، ولا يخلو منه معظم البرامج العلاجية. ولتحقيق أهداف التعزيز الإيجابي بفاعلية، لا بد من مراعاة عدة عوامل، مثل اختيار المعززات المناسبة للفرد، وتقديم المعززات فور حدوث السلوك المناسب، وتنويع التعزيز لتجنب الإشباع، واستخدام جدول التعزيز المناسب، وتوفير المعززات بكميات تتلاءم مع السلوك المستهدف (الخطيب، 2016).
أما التعزيز السلبي (Negative Reinforcement)، فهو إزالة مثير بغيض أو مؤلم بعد حدوث السلوك المرغوب فيه مباشرة. ويختلف التعزيز السلبي عن العقاب، حيث يتم في العقاب تقديم المثير السلبي، بينما في التعزيز السلبي يُزال المثير السلبي. ويُنصح عادة بتجنب استخدام المعززات السلبية المزعجة مثل النقد والسخرية، واستبدالها بالتعزيز الإيجابي الذي يشجع الأشخاص على السلوك بدلاً من النفور منه (الخطيب، 2016).
استراتيجيات استخدام التعزيز
تتضمن استراتيجيات التعزيز طرقًا متنوعة تهدف إلى تعزيز سلوكيات معينة لدى المتعلمين من خلال تقديم مكافآت أو تعزيزات على الاستجابات التي يبدونها. يتم استخدام هذه الاستراتيجيات بطرق محددة تعتمد على طبيعة التدريب والمراحل التي يمر بها المتعلم. كما أشار إليها (الموسوي، 2018).
أولاً: التعزيز المنتظم: يقدم فور كل استجابة إجرائية يقوم بها المتعلم. تُستخدم في المراحل الأولى من التدريب على المهارة المطلوب تعلمها (بداية تعلم).
ثانياً: التعزيز المتقطع (المتفاوت): يُقدم في بعض مرات حدوث الاستجابة وليس في كلها. ويكون في:
أ – نظام زمن التعزيز: يقدم التعزيز في ضوء الفترة الزمنية وفق إستراتيجيتين:
إستراتيجية ثابتة: مثال (نهاية كل محاضرة).
إستراتيجية متغيرة: مثال (بعد أسبوع ثم بعد 10 أيام ثم بعد 5 أيام وهكذا).
ب – نظام نسبة التعزيز: يقدم التعزيز حسب الأنشطة وفق إستراتيجيتين:
إستراتيجية ثابتة: مثال (فور كل ثلاث أنشطة).
إستراتيجية متغيرة: مثال (بعد 3 أنشطة ثم بعد 5 أنشطة ثم بعد نشاطين ثم بعد 6 أنشطة ثم بعد نشاط واحد وهكذا ). ).
يؤكد سكنر أن التعزيز المتغير يُعلم أكثر، وأن التعزيز المتغير وفق نظام النسبة أفضل من نظام الزمن
مما سبق يتضح أن استراتيجيات التعزيز تتنوع بين التعزيز المنتظم والمتقطع، حيث يتم تقديم المعززات بناءً على استجابة المتعلم وفقًا لجدول زمني أو نسبة الأنشطة، ويعتبر التعزيز المتغير وفق نظام النسبة أكثر فعالية من نظام الزمن.
العوامل التي تؤثر في فعالية التعزيز
تؤثر عدة عوامل في فعالية التعزيز، من أهمها الوقت المناسب لتقديم المعزز ونوعه وكمية التعزيز. من أبرز هذه العوامل هو فورية التعزيز، حيث يجب تقديم المعزز مباشرة بعد حدوث السلوك المستهدف، وكذلك ثبات التعزيز الذي يتطلب تنظيم تقديم التعزيز وفقًا لقوانين معينة لضمان فعاليته. كما أن كمية التعزيز تلعب دورًا مهمًا، فزيادة الكمية يمكن أن تعزز فعاليته، بشرط أن تكون ضمن حدود معقولة. وأيضًا درجة تعقيد السلوك تؤثر في فعالية التعزيز، حيث أن سلوكيات معقدة قد تحتاج إلى طرق تعزيز أكثر تعقيدًا كما أشارت الصاوي (2020) إلى النقاط التالية:
فورية التعزيز: يجب تقديم المعزز مباشرة بعد حدوث السلوك المستهدف لتعزيز فعاليته.
ثبات التعزيز: يجب أن يكون التعزيز منظماً وفقاً لقواعد محددة مسبقاً لضمان استمرارية تأثيره.
كمية التعزيز: تزداد فعالية التعزيز كلما كانت كمية التعزيز أكبر، بشرط أن تبقى ضمن حدود معقولة.
درجة تعقيد السلوك: المعززات التي تكون فعالة مع السلوكيات البسيطة قد لا تكون بنفس الفعالية مع السلوكيات المعقدة التي تتطلب جهداً أكبر.
مما سبق يتضح أن فعالية التعزيز تعتمد على عدة عوامل رئيسية، مثل فورية التعزيز وثباته، كمية التعزيز، ودرجة تعقيد السلوك. فالتعزيز الفوري والمنظم، مع تحديد الكمية المناسبة للمعززات، يسهم في تعزيز فعالية التغيير السلوكي، بينما تتطلب السلوكيات المعقدة طرق تعزيز أكثر تطورًا.
مدى تأثير استراتيجيات التعزيز تحسين السلوك الاجتماعي لدى الأطفال ذوي متلازمة داون
كما أشار Gashmard & Ahmadi (2020)، يعتبر تعليم المهارات السلوكية الاجتماعية المناسبة للأطفال ذوي متلازمة داون جزءًا من التدابير التي تحسن قيمهم ومكانتهم في المجتمع، وتقلل من وصمة العار المرتبطة بالمتلازمة. شملت الجهود “تعليم آداب السلوك”، “إظهار السلوكيات المناسبة من أفراد الأسرة”، و”النمذجة”. استخدم المشاركون طرقًا متنوعة مثل التشجيع اللفظي ومنع السلوكيات غير المناسبة. أشارت إحدى الأمهات إلى تحيزات الناس تجاه الأطفال ذوي متلازمة داون وجهودها لتحدي هذه التحفظات، قائلة: “علمت طفلي كيفية احترام كبار السن وتحيتهم”. أظهر المشاركون مزيدًا من الإشراف واستخدموا الألعاب والنمذجة لتعليم السلوكيات المناسبة.
كما أشار Fitzpatrick, Srivorakiat et al. (2016)، هناك العديد من أنواع استراتيجيات التعزيز. تعتمد استراتيجيات التعزيز التفاضلي على حدوث سلوك المشكلة المستهدف أو السلوكيات التكيفية، والتي تشمل تقديم التعزيز في غياب سلوك المشكلة (أي التعزيز التفاضلي للسلوك الآخر)، عندما ينخرط الشخص في سلوك غير متوافق مع السلوك العدواني (أي التعزيز التفاضلي للسلوك الآخر)، أو عندما يظهر سلوك مناسب يؤدي نفس الغرض الوظيفي مثل العدوان (أي التعزيز التفاضلي للسلوك البديل). في آخر 20 عامًا، أصبح التعزيز التفاضلي للسلوك الآخر أحد العلاجات الأكثر استخدامًا للعدوان في اضطراب طيف التوحد.
قد أوضح (ثورندايك) صاحب “قانون الأثر” أن السلوكيات التي تعقبها ظروف سارة من المحتمل أن تتكرر في المستقبل في المواقف المتشابهة. وقد أدرك علماء النفس منذ البداية أهمية التعزيز في التعليم، حيث لا يقتصر تأثيره على زيادة التعلم فقط، بل هو وسيلة فعالة لزيادة مشاركة الأطفال في الأنشطة التعليمية المناسبة. كما يساعد في حفظ النظام والضبط الصفي، وتعديل السلوك بشكل عام. بالإضافة إلى ذلك، يعزز التعزيز من فاعلية التعليم ويعد وسيلة هامة لزيادة ثقة المتعلم بنفسه. تُعتبر مهارات التعزيز في العملية التعليمية من أكثر المهارات التربوية أهمية، حيث تتيح للمعلم فرصًا متعددة وتفتح أمامه آفاقًا واسعة في تنمية إمكانياته، كما تزيد من أدواته التعليمية الفعّالة في إدارة العملية التعليمية، بوصفه قائدًا لها (الصاوي، 2020)
كما أشار درويش (2017) إلى أن أسلوب التعزيز الرمزي يُعد من الأساليب التي ظهرت حديثًا كنتيجة لتطور النظرية السلوكية المحدثة، والتي أسس أفكارها “سكينر” (Skinner)، الذي اكتشف العلاقة القائمة بين “الاستجابة والتعزيز”، معتقدًا بأن هذه العلاقة تمثل مفتاح التعلم الأمثل. في الآونة الأخيرة، يشهد الوسط التربوي اهتمامًا غير مسبوق في إعداد البرامج الإرشادية والسلوكية والمعرفية التي تركز على النظرية السلوكية، بسبب التأثير العميق الذي أصبحت تحدثه البيئة الاجتماعية الواقعية. لذلك، يظهر الاهتمام بأساليب وفنيات النظرية السلوكية الحديثة من خلال “التعزيز” بأنواعه المختلفة. وقد أثبتت العديد من الدراسات أهمية أسلوب التعزيز الرمزي في تعديل سلوك الأطفال المعاقين عقليًا القابلين للتعلم.
كما أشار Guido, Loffredo et al. (2021)، أظهرت النتائج أن 52% من الآباء استخدموا التعزيز الإيجابي لسلوكيات مرغوبة والتعزيز السلبي لسلوكيات إشكالية. استخدم 23% فقط التعزيز السلبي بمعاقبة الطفل عند وجود سلوك غير مرغوب فيه. أبلغ 71% من الآباء عن فعالية إيجابية لاستراتيجياتهم. وكانت الاستراتيجيات الأكثر فعالية، وفقًا للآباء، تتعلق بالعلاقة بين مقدم الرعاية والطفل من خلال الحوار أو الأنشطة المشتركة.
كما أشار Kurt, Özcan et al. (2022)، تختلف معايير الأداء الرياضي للأفراد ذوي متلازمة داون وفقًا لخصائص مثل العمر والطول والجنس. تؤثر استراتيجيات التعزيز، مثل الأنشطة الترفيهية في مراكز التعليم الخاص والتأهيل، بشكل إيجابي على السلوك الاجتماعي للأطفال ذوي متلازمة داون، حيث تحسن صحتهم وتزيد من تصوراتهم وسلوكهم الذاتي. كما تسهم الأنشطة الترفيهية العلاجية في تعزيز تواصلهم الاجتماعي، مما يقلل من العزلة. وبالتالي، تساهم استراتيجيات التعزيز في تحسين المستويات المعرفية والعاطفية والجسدية، مما يعزز السلوكيات الاجتماعية الإيجابية لدى الأطفال ذوي متلازمة داون.
مما سبق يتضح أن استراتيجيات التعزيز، بما في ذلك التعزيز الإيجابي والسلبي، لها تأثير كبير في تحسين السلوك الاجتماعي للأطفال ذوي متلازمة داون. بينما ركز العديد من الدراسات على الأنشطة الترفيهية والتعليمية كوسيلة لتحسين السلوك، إلا أن هناك العديد من الدراسات الأخرى التي تركز على جوانب مختلفة من التعزيز، مثل النمذجة الاجتماعية والتوجيه المباشر في البيئة المنزلية أو التعليمية. على سبيل المثال، أكدت الدراسات على أهمية العلاقة بين مقدمي الرعاية والطفل من خلال الحوار والأنشطة المشتركة، مما يعزز التفاعلات الاجتماعية بشكل أكثر فعالية. كما أظهرت الأبحاث أن استراتيجيات التعزيز الأخرى، مثل التعزيز التفاضلي للسلوك البديل أو التعزيز غير المشروط، يمكن أن تساهم بشكل كبير في تحسين السلوكيات الاجتماعية للأطفال ذوي متلازمة داون. من هنا، يتضح أن استخدام مجموعة متنوعة من استراتيجيات التعزيز يمكن أن يسهم في تحسين السلوك الاجتماعي وتطوير مهارات التواصل لدى الأطفال ذوي متلازمة داون بشكل شامل.
المراجع العربية:
الخطيب، جمال (۲۰۱٦) تعديل سلوك الأطفال المعوقين مكتبة الفلاح، الكويت.
درويش، عمرو محمد أحمد. (2017). أسلوب التعزيز “الاجتماعي – الرمزي” في بيئة تعلم قائمة على الألعاب التعليمية بتقنية الواقع المعزز وأثره في تحسين التواصل الاجتماعي والسلوك التوكيدي للأطفال المعاقين عقليا القابلين للتعلم بمرحلة رياض الأطفال. تكنولوجيا التعليم،27(1)، 205 – 302.
الصاوي، رحاب محمد. (2020). فاعلية برنامج قائم على استراتيجيات التعزيز للحد من سلوک إيذاء الذات لدى الأطفال المعاقين عقليًا القابلين للتعليم باستخدام تحليل السلوک التطبيقي (ABA). بحوث ودراسات الطفولة، 2(العدد الرابع- الجزء الثاني)، 935-1012. doi: 10.21608/rsch.2020.122869
المطيري، بشاير مشعل نهار، مراد، هاني فؤاد سيد محمد سليمان، ومحمد، أحمد علي بديوي. (2017). أثر التدخل الإرشادي فى تعزيز التوافق النفسي للأطفال المعاقين عقليا وخفض الضغوط النفسية لدى أمهاتهم. دراسات تربوية واجتماعية،23(3)، 805 – 848.
الموسوي، عباس نوح. (2018). استراتيجيات استخدام التعزيز في التعليم. ResearchGate.
المراجع الاجنبية:
Fitzpatrick, S. E., Srivorakiat, L., et al. (2016). Aggression in autism spectrum disorder: presentation and treatment options. Neuropsychiatric Disease and Treatment, 12, 1525-1538.
Gashmard, R., & Ahmadi, F. (2020). Coping strategies adopted by Iranian families of children with Down syndrome. Medicine, 99.
Guido, C., Loffredo, L., et al. (2021). The impact of the COVID-19 epidemic during the lockdown on children with the Pediatric Acute-Onset Neuropsychiatric Syndrome (PANDAS/PANS): The importance of environmental factors on clinical conditions. Frontiers in Neurology, 12.
Jahromi, L. B., & Gulsrud, A. (2008). Emotional competence in children with Down syndrome: negativity and regulation. American Journal of Mental Retardation: AJMR, 113(1), 32-43.
Kurt, Y., Özcan, Ü. H., et al. (2022). Investigation of published postgraduate theses on individuals with Down syndrome in the field of sport sciences in Turkey. Pakistan Journal of Medical and Health Sciences.

لا تعليق